سلّطت وكالة “رويترز” الضوء على توجه العراق لرفع إنتاجه النفطي وتعظيم الاستفادة من احتياطياته، في وقت تتسارع فيه التحولات العالمية في قطاع الطاقة، وسط مخاوف من أن يؤدي تراجع الطلب على النفط مستقبلاً إلى تقليص العائدات المتوقعة للدول المنتجة.
وبحسب تحليل نشرته الوكالة ضمن نشرة “تيارات الخليج”، فإن العراق، إلى جانب الإمارات، يتبنى نهجاً يقوم على تسريع استغلال الاحتياطيات النفطية وتحويلها إلى إيرادات قبل أن تتغير معادلة السوق العالمية بفعل التحول في مصادر الطاقة وتباطؤ الطلب على الوقود الأحفوري.
لماذا يرفع العراق رهانه على النفط الآن؟
ترى “رويترز” أن بغداد تتعامل مع المرحلة الحالية بوصفها فرصة حاسمة لتعظيم الإيرادات النفطية، بدلاً من تأجيل استغلال الاحتياطيات إلى وقت قد تصبح فيه أقل قيمة في السوق العالمية.
ويستند هذا التوجه إلى حقيقة أن الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل شبه أساسي على النفط، إذ يشكل القطاع النفطي نحو 88% من إيرادات الحكومة العراقية، ما يجعل أي تراجع في الأسعار أو الإنتاج مؤثراً مباشرة على الموازنة العامة والإنفاق الحكومي.
كما أن الاضطرابات التي شهدها العراق خلال الفترة الماضية، وما رافقها من تراجع في مستويات الإنتاج، دفعت الحكومة إلى التفكير بزيادة الطاقة الإنتاجية كوسيلة لتعويض الإيرادات المفقودة وتعزيز القدرة المالية للدولة.
تراجع الإنتاج زاد الضغوط على بغداد
أشارت الوكالة إلى أن الحرب الأخيرة وما رافقها من اضطرابات دفعت العراق إلى خفض إنتاجه النفطي اليومي من نحو 4.2 ملايين برميل إلى أقل من 1.5 مليون برميل يومياً خلال أيار/مايو، وهو تراجع كبير وضع ضغوطاً إضافية على المالية العامة.
ويعني هذا الانخفاض، وفق القراءة الاقتصادية، أن العراق خسر جزءاً مهماً من تدفقاته النقدية في وقت يحتاج فيه إلى تمويل الرواتب والمشاريع والخدمات، ما يفسر اندفاعه نحو رفع الإنتاج سريعاً بمجرد تحسن الظروف التشغيلية.
استثمارات دولية كبرى لدعم قطاع النفط العراقي
تعززت رهانات بغداد على زيادة الإنتاج مع دخول استثمارات جديدة بمليارات الدولارات من شركات طاقة عالمية كبرى، من بينها بي بي وتوتال إنرجيز وإكسون موبيل، وهي شركات يُعوَّل عليها في تطوير الحقول ورفع الطاقة الإنتاجية وتحسين كفاءة استخراج النفط.
وترى “رويترز” أن هذه الاستثمارات تمنح العراق فرصة حقيقية لتحويل احتياطياته الكبيرة إلى عوائد مالية مستدامة، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام تحدٍ يتمثل في ضرورة تسويق هذا النفط ضمن سوق قد تشهد مستقبلاً تباطؤاً في الطلب وتزايداً في المعروض.
مخاوف من تخمة في السوق العالمية
رغم الفرص المتاحة، حذّرت الوكالة من أن التحدي الأكبر أمام العراق لا يتعلق فقط بقدرته على زيادة الإنتاج، بل أيضاً بتوقيت هذه الزيادة مقارنة مع خطط الدول الأخرى المنتجة للنفط.
فإذا اتجه عدد من المنتجين إلى رفع الإمدادات في الوقت نفسه، فقد يؤدي ذلك إلى تخمة في السوق العالمية وانخفاض الأسعار، وهو ما قد يقلل من المكاسب التي تسعى بغداد إلى تحقيقها من تسريع الإنتاج.
وتشير التوقعات التي أوردتها “رويترز” إلى احتمال ارتفاع المعروض العالمي بنحو ثمانية ملايين برميل يومياً خلال عام 2027، مقابل نمو أبطأ في الطلب العالمي، ما يثير تساؤلات جدية حول قدرة السوق على استيعاب هذه الكميات من دون ضغوط سعرية كبيرة.
سباق مع التحول العالمي في الطاقة
يأتي هذا التوجه العراقي في وقت يشهد فيه العالم تحولات متسارعة في سياسات الطاقة، مع توسع الاستثمارات في الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية وتقنيات خفض الانبعاثات، وهي عوامل قد تضعف الطلب على النفط على المدى المتوسط والطويل.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن العراق يحاول الاستفادة من السنوات المتبقية التي ما يزال فيها النفط مصدراً رئيسياً للطاقة والإيرادات، عبر زيادة الإنتاج وتحويل أكبر قدر ممكن من الاحتياطيات إلى دخل فعلي قبل حدوث تراجع هيكلي أوسع في الطلب.
خطة عراقية لرفع الإنتاج إلى 7 ملايين برميل يومياً
وكان رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي قد أعلن في وقت سابق رغبة العراق في رفع معدلات إنتاج النفط الخام إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً، مشيراً إلى أنه أبلغ الشركات الأميركية بهذه الرؤية، في إشارة إلى توجه حكومي واضح لتوسيع الطاقة الإنتاجية خلال السنوات المقبلة.
ويعكس هذا الرقم طموحاً عراقياً كبيراً في استعادة موقع أكثر قوة داخل سوق النفط العالمية، لكنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة بشأن قدرة البنية التحتية، وحجم الاستثمارات المطلوبة، وتأثير التغيرات العالمية في الطلب على جدوى هذا التوسع.
رهان النفط بين الفرصة والمخاطرة
في المحصلة، ترى “رويترز” أن العراق يخوض سباقاً مع الزمن للاستفادة من ثروته النفطية قبل أن تتغير قواعد اللعبة في أسواق الطاقة العالمية.
وبين الحاجة الملحة للإيرادات من جهة، ومخاطر تراجع الطلب وتراجع الأسعار من جهة أخرى، تبدو استراتيجية بغداد قائمة على تعظيم الإنتاج الآن، أملاً في تحقيق أكبر عائد ممكن قبل الوصول إلى نقطة التحول الكبرى في سوق النفط.

