تخيّل مريضاً في حالة غيبوبة مستقرة، نبضه منتظم، ومؤشراته الحيوية توحي بإمكانية التحسن، ثم يحدث أمر غير متوقع: يفتح عينيه للحظات، ينطق بكلمة واحدة فقط، وبعد ساعات يفارق الحياة.
هذه القصة التي تتكرر في عدد من الحالات داخل غرف العناية المركزة أثارت اهتمام الأطباء والباحثين، خصوصاً بعد ملاحظات الطبيب “أندرو زفونكوف”، الذي عمل لأكثر من 18 عاماً في العناية المشددة منذ عام 2011، حيث سجّل ما يقارب 127 حالة مشابهة.
الكلمة الأكثر تكراراً… “ماما”
بحسب الملاحظات الطبية، كانت الكلمة الأخيرة التي نطق بها عدد من المرضى في لحظاتهم الأخيرة هي “ماما”، وهو ما فتح باب التساؤلات حول الدلالة النفسية والعصبية لهذا اللفظ بالتحديد.
لماذا “الأم” تحديداً؟
تشير دراسات في علم الأعصاب إلى أن ارتباط الإنسان بصوت الأم يبدأ مبكراً جداً، حتى قبل الولادة.
ففي عمر يقارب 22 أسبوعاً داخل الرحم، يصبح الجنين قادراً على تمييز صوت الأم والتفاعل معه.
ومع مرور الوقت، يتشكل في الدماغ رابط عاطفي عميق بين صوت الأم ومشاعر الأمان والطمأنينة والحماية، ليصبح هذا الصوت هو أول وأقوى مصدر شعوري بالراحة في حياة الإنسان.
لحظات الدماغ الأخيرة
يفسّر بعض الباحثين هذه الظاهرة بأن الدماغ، في لحظات الضعف الشديد أو قرب انتهاء الحياة، قد يعود بشكل لا واعٍ إلى أكثر الذكريات العاطفية أماناً، وكأنّه يبحث عن “المصدر الأول للأمان” الذي عرفه الإنسان منذ بداية تكوينه.
وبذلك، قد تكون كلمة “ماما” انعكاساً لهذا الارتباط العاطفي العميق، وليس مجرد مصادفة لغوية تتكرر في لحظات حرجة.
بين العلم والغموض
رغم هذه التفسيرات، لا يزال الموضوع مفتوحاً للنقاش العلمي، إذ لا توجد حتى الآن نظرية قاطعة تفسّر بشكل كامل سبب تكرار هذا النمط في بعض الحالات، ما يجعل الأمر مزيجاً بين الطب النفسي، وعلم الأعصاب، والبعد الإنساني العاطفي.
وفي النهاية، تبقى هذه الظاهرة تذكيراً قوياً بعمق العلاقة بين الإنسان وأمه، وبأن بعض الروابط العاطفية قد تظل حاضرة حتى في أكثر اللحظات غموضاً وقرباً من النهاية.

