تشهد العاصمة العراقية بغداد وعدد من المحافظات خلال السنوات الأخيرة انتشاراً متزايداً لمطاعم ومحال شواء الأسماك بالحطب، المعروفة محلياً بـ“السمك المسكوف”، والتي أصبحت جزءاً من المشهد اليومي في الشوارع والأحياء الشعبية، رغم ما تثيره من جدل متصاعد حول آثارها الصحية والبيئية.
ورغم الشعبية الكبيرة لهذا الطبق التقليدي وما يتميز به من نكهة خاصة، إلا أن الاعتماد المتزايد على الحطب في عملية الشواء بات يثير مخاوف بيئية متزايدة، في ظل تراجع الغطاء النباتي في العراق، واتساع رقعة التصحر، وتزايد عمليات قطع الأشجار لاستخدامها كوقود.
توسع الظاهرة ومخاوف بيئية متصاعدة
يرى مراقبون أن انتشار محال الشواء في المناطق السكنية ذات الكثافة العالية أدى إلى زيادة معدلات التلوث الهوائي، نتيجة الدخان الكثيف الناتج عن احتراق الحطب، إضافة إلى الروائح التي تؤثر على جودة الحياة اليومية للسكان.
وتشير تقارير بيئية إلى أن استخدام الأخشاب في الشواء يساهم بشكل مباشر في الضغط على الموارد الطبيعية، خصوصاً في ظل تراجع المساحات الخضراء واعتماد بعض المحال على قطع الأشجار بشكل غير منظم.
وزارة البيئة: وعي بالمشكلة وتحركات محدودة
أكد مدير قسم التوعية المجتمعية في وزارة البيئة العراقية Ministry of Environment Iraq خالد الشامي، أن الوزارة تدرك خطورة هذه الظاهرة وآثارها البيئية والصحية، مشيراً إلى أنها تؤثر أيضاً على المشهد الحضري في المدن العراقية.
وأوضح الشامي أن فرقاً من الوزارة، بالتعاون مع لجنة البيئة في مجلس محافظة بغداد، نفذت جولات تفتيشية على عدد من محال شواء الأسماك والدجاج، في إطار متابعة هذا الملف المتنامي.
ووصف الشامي الشواء بالحطب بأنه “ظاهرة غير حضارية”، لما تسببه من تلوث بيئي وروائح مزعجة للسكان، إضافة إلى تأثيرها السلبي على جودة الغذاء نتيجة تعرضه للدخان والغازات المنبعثة.
كما أشار إلى إمكانية الحد من هذه الظاهرة عبر التحول إلى بدائل أكثر أماناً مثل الغاز أو الأفران الكهربائية، بهدف تقليل الانبعاثات الضارة وحماية البيئة الحضرية.
تحذيرات علمية من أضرار صحية مباشرة
من جانبها، حذّرت خبيرة البيئة إقبال لطيف من المخاطر الصحية المرتبطة باستخدام الحطب في الشواء، مشيرة إلى أن احتراق الأخشاب يطلق مركبات كيميائية ضارة تلتصق بالأطعمة، خصوصاً الأسماك، ما قد يزيد من احتمالات التلوث الغذائي.
وأوضحت أن الأشجار تلعب دوراً أساسياً في امتصاص ثاني أكسيد الكربون وتحسين جودة الهواء، إلا أن حرقها يؤدي إلى إعادة إطلاق الكربون ومواد سامة في البيئة، مثل أكاسيد الرصاص والنحاس والألمنيوم.
وأضافت أن غياب الرقابة البيئية ساهم في تفاقم المشكلة، إلى جانب ضعف الإجراءات المنظمة لقطع الأشجار واستخدامها في الأغراض التجارية، ما ينعكس سلباً على النظام البيئي في البلاد.
شكاوى السكان: اختناق وترك للمنازل
على الصعيد المجتمعي، عبّر عدد من المواطنين عن استيائهم من انتشار محال الشواء داخل الأحياء السكنية، مؤكدين أن الدخان الكثيف بات يسبب حالات اختناق متكررة، خاصة للأطفال وكبار السن.
وقالت إحدى المواطنات إن بعض العائلات اضطرت لمغادرة منازلها بسبب التلوث المستمر، في ظل غياب حلول فعالة أو إجراءات رادعة من الجهات المختصة.
كما أشار مواطنون آخرون إلى أنهم قدموا شكاوى متكررة دون نتائج ملموسة، ما دفع بعضهم للانتقال إلى مناطق أخرى بحثاً عن بيئة أكثر نظافة وأماناً.
بين المذاق الشعبي والتحديات البيئية
رغم الجدل المتصاعد، يظل “المسكوف” أحد أشهر الأطباق العراقية وأكثرها ارتباطاً بالهوية الغذائية المحلية، إلا أن توسع انتشاره بالشكل الحالي يضعه في مواجهة مباشرة مع التحديات البيئية والصحية.
وينتشر هذا النوع من المطاعم بشكل واسع في بغداد، خصوصاً في مناطق مثل شارع أبي نؤاس وبعض الأحياء الشعبية، ما يجعل تنظيمه وتحديد أماكن مخصصة له أحد أبرز التحديات أمام الجهات المعنية.
الحاجة إلى تنظيم لا منع
يرى مختصون أن الحل لا يكمن في منع هذا النشاط الشعبي، بل في تنظيمه عبر تحديد أماكن خاصة للشواء، واعتماد وسائل أقل ضرراً للبيئة، إلى جانب فرض رقابة صارمة على استخدام الحطب.
وفي ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي يشهدها العراق، يبقى ملف الشواء بالحطب مثالاً على التوازن الصعب بين الحفاظ على التراث الغذائي الشعبي وبين حماية البيئة والصحة العامة، في معادلة تحتاج إلى حلول عملية ومستدامة.

