تتزايد في العراق شكاوى المواطنين من اتساع دائرة الرسوم والضرائب المفروضة على الخدمات العامة، من الصحة والتعليم إلى الكهرباء والمرور وتسجيل المركبات، في وقت يقول كثيرون إن مستوى الخدمات المقدمة لا يوازي ما يُستوفى منهم من أموال، ما يفتح الباب مجدداً أمام التساؤلات بشأن عدالة النظام الضريبي وفاعلية السياسة المالية في البلاد.
وبينما تواجه الحكومة العراقية ضغوطاً مالية متصاعدة وتبحث عن موارد غير نفطية لدعم الموازنة، يرى مواطنون أن الرسوم المفروضة تحولت إلى عبء يومي يطال مختلف تفاصيل حياتهم، من العلاج والتعليم إلى المعاملات الحكومية الأساسية، من دون أن ينعكس ذلك على تحسين ملموس في الخدمات العامة أو البنى التحتية.
رسوم حكومية متزايدة في العراق
تشمل الرسوم الحالية في العراق طيفاً واسعاً من الخدمات والالتزامات المالية، بدءاً من الاستقطاعات الشهرية من رواتب الموظفين، مروراً برسوم القطاع الصحي، وجبايات الكهرباء، ومدفوعات المرور والطرق والجسور، وصولاً إلى رسوم التعليم الجامعي والخدمات الإلكترونية المرتبطة به.
ويقول منتقدون إن هذه السياسة وسّعت الفجوة بين دخل الأسر العراقية وكلفة المعيشة، خصوصاً مع تكرار الأزمات الخدمية في قطاعات يفترض أن تحظى بأولوية في الإنفاق العام، مثل الصحة والتعليم والكهرباء والنقل.
وفي هذا السياق، أكد عضو لجنة الخدمات النيابية محمد الحسناوي أن مجلس النواب وضع ملف النظام الضريبي ضمن أولويات الدورة التشريعية الجديدة، مشيراً إلى وجود توجه لتشريع قانون جديد يحقق العدالة الضريبية ويحمي الطبقات الفقيرة والمتوسطة من الأعباء غير المتوازنة.
وأضاف أن النظام الحالي “بات يحمّل المواطنين كلفة العجز المالي الذي تعاني منه الدولة”، لافتاً إلى أن عدداً من النواب قدموا ملاحظات تدعو إلى إصلاح شامل للسياسة الضريبية بما يحد من تضخم رؤوس الأموال ويضمن توزيعاً أكثر عدالة للأعباء المالية.
مواطنون: ندفع أكثر مما نحصل عليه
يعبّر كثير من العراقيين عن شعور متزايد بأن الرسوم المفروضة لم تعد مرتبطة بتحسين الخدمات، بل تحولت إلى جبايات مستمرة لا تقابلها نتائج واضحة على الأرض.
ويقول المواطن عباس كاظم إن ما يدفعه المواطن من ضرائب ورسوم يفترض أن يقابله مستوى مناسب من الخدمات، إلا أن الواقع يسير في اتجاه مختلف، موضحاً أن العائلات تضطر في كثير من الأحيان إلى اللجوء للمستشفيات الأهلية بسبب ضعف الخدمات الصحية الحكومية، رغم الاستقطاعات والرسوم التي تُفرض تحت عناوين صحية مختلفة.
ولا يقتصر الأمر على القطاع الصحي، إذ يلفت كاظم إلى أن أزمة الكهرباء تمثل مثالاً واضحاً على التباين بين الجباية والخدمة، مشيراً إلى أن بعض المنازل تدفع ما يصل إلى 200 ألف دينار شهرياً كأجور جباية، في حين لا تتجاوز ساعات تجهيز الكهرباء الوطنية أربع أو خمس ساعات يومياً في كثير من المناطق.
من جانبها، ترى المواطنة أزهار الساعدي أن الرسوم باتت تطال كل شيء تقريباً، من الغذاء والدواء إلى أبسط المعاملات الحكومية، موضحة أن إنجاز معاملة واحدة قد يتطلب وجود مبالغ في البطاقة المصرفية تصل أحياناً إلى 100 ألف دينار لتغطية الرسوم المتفرقة.
وتشير الساعدي إلى أن راتب الموظف “يخرج من حسابه ليعود إلى الدولة في اليوم نفسه” بسبب كثرة الاستقطاعات والرسوم، في تعبير يلخص شعور شريحة واسعة من الموظفين بأن الدخل الشهري لم يعد يكفي لمواجهة الالتزامات الأساسية.
رسوم المركبات والطرق..
عبء إضافي على المواطنين
في قطاع النقل، يشكو أصحاب المركبات من ارتفاع رسوم التسجيل والإجازات والطرق، في وقت لا تزال فيه البنية التحتية تعاني من مشكلات مزمنة، من الحفر والمطبات إلى سوء الصيانة وازدحام الطرق.
ويقول المواطن عقيل إن تسجيل المركبات الصغيرة يكلف نحو 30 ألف دينار، بينما ترتفع الرسوم إلى 300 ألف دينار للمركبات الكبيرة، فضلاً عن رسوم الطرق والجسور، مضيفاً أن هذه التكاليف لا تنعكس على تحسين واقع الشوارع أو السلامة المرورية.
ويشير إلى أن حملات تطوعية بدأت بالفعل بإصلاح بعض الطرق في مناطق مختلفة بعد تزايد الحوادث، وهو ما يراه دليلاً على اتساع الفجوة بين حجم الأموال التي تُستوفى من المواطنين ومستوى الخدمات التي تعود إليهم فعلياً.
التعليم الجامعي أيضاً تحت ضغط الرسوم
ولا تبدو الجامعات الحكومية بعيدة عن هذا الجدل، إذ تؤكد الطالبة الجامعية ريهام العبودي أن الرسوم الدراسية والبدلات المالية باتت تمثل عبئاً إضافياً على الطلبة وأسرهم، حتى في المؤسسات التعليمية الحكومية التي يفترض أن تكون أقل كلفة وأكثر دعماً.
وتوضح العبودي أن بعض الجامعات تستوفي رسوماً تحت مسميات متعددة، إلى جانب إلزام الطلبة باستخدام تطبيقات إلكترونية مدفوعة للحصول على نتائج الامتحانات أو بعض الخدمات الجامعية، ما يزيد الأعباء المالية من دون أن يقترن بتحسين واضح في جودة التعليم أو البيئة الجامعية.
وتضيف أن كثيراً من الطلبة باتوا يلجؤون إلى طرق غير رسمية لمعرفة نتائجهم أو إنجاز بعض الإجراءات، تفادياً للاشتراك في تطبيقات أو خدمات مدفوعة يرون أنها تفرض عليهم من دون مبرر كافٍ.
بين الدستور والواقع الخدمي
ينص الدستور العراقي في مواده (30) و(31) و(34) على كفالة الدولة للضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والتعليم باعتبارها حقوقاً أساسية للمواطنين، وهو ما يدفع كثيرين إلى المطالبة بمواءمة الرسوم الحكومية مع مستوى الخدمات المقدمة فعلياً.
ويرى منتقدون أن المشكلة لا تكمن فقط في فرض الرسوم بحد ذاته، بل في غياب التوازن بين ما يدفعه المواطن وما يحصل عليه، إلى جانب ضعف الشفافية في توضيح أوجه صرف هذه الأموال ومدى انعكاسها على تطوير المؤسسات العامة وتحسين الأداء الخدمي.
دعوات إلى إصلاح ضريبي شامل في العراق
من جهته، يقول عضو اللجنة العليا للإصلاح الضريبي خالد الجابري إن الضرائب والرسوم الجمركية ليست مجرد أدوات لزيادة الإيرادات، بل تشكل ركناً مهماً في إدارة الاقتصاد وتحفيز الاستثمار وحماية الإنتاج الوطني، إذا ما جرى تنظيمها ضمن سياسة واضحة وعادلة.
ويضيف أن الدول المتقدمة تستخدم الأنظمة الضريبية كوسيلة لدعم النمو الاقتصادي وتحقيق التوازن الاجتماعي، بينما ما تزال تُدار في العراق بمنهج تقليدي جعلها تبدو عبئاً على المواطنين والقطاع الخاص بدلاً من أن تكون أداة للإصلاح والتنمية.
ويشدد الجابري على أن تحديث النظامين الضريبي والجمركي، والانتقال إلى الإدارة الرقمية والرقابة الحديثة، يمثلان ضرورة لتعزيز الإيرادات غير النفطية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مؤكداً أن “الاقتصاد الناجح لا يقوم على زيادة الضرائب، بل على إدارة ذكية تحقق النمو قبل الإيرادات”.
هل يتجه العراق إلى قانون ضريبي أكثر عدالة؟
يفتح تصاعد الجدل حول الرسوم والضرائب الحكومية في العراق الباب أمام اختبار جديد لقدرة البرلمان والحكومة على إعادة صياغة العلاقة المالية بين الدولة والمواطن.
فالمطلوب، بحسب خبراء ومواطنين، ليس فقط تعظيم الإيرادات، بل بناء نظام ضريبي عادل وشفاف يراعي الفئات الفقيرة والمتوسطة، ويربط الجباية بتحسين حقيقي في الخدمات العامة.
وفي ظل اعتماد العراق لسنوات طويلة على العائدات النفطية، تبدو الحاجة ملحّة اليوم إلى إصلاح مالي أوسع يعيد ترتيب أولويات الإنفاق، ويخفف الضغط عن المواطنين، ويحوّل الضرائب من مصدر تذمر اجتماعي إلى أداة اقتصادية عادلة تدعم التنمية وتكرّس الثقة بين الدولة والمجتمع.

