الحدث العراقي
محلي-فريق التحرير

هل تنقذ الطاقة الشمسية كهرباء العراق؟ 25 مليون لوح مطلوبة لسد جزء من العجز المزمن

٧ تموز ٢٠٢٦
1 دقائق قراءة
هل تنقذ الطاقة الشمسية كهرباء العراق؟ 25 مليون لوح مطلوبة لسد جزء من العجز المزمن
محلي-فريق التحرير

يواجه العراق أزمة كهرباء مزمنة تتفاقم مع اتساع الفجوة بين الإنتاج والطلب، في وقت يتجاوز فيه الاستهلاك الفعلي حاجز 50 ألف ميغاواط، بينما لا يتخطى الإنتاج الحالي نحو 25 ألف ميغاواط، ما يضع البلاد أمام عجز يتجاوز نصف حاجتها الفعلية من الطاقة.
وفي ظل هذا الواقع، تتجه الأنظار إلى الطاقة الشمسية في العراق بوصفها أحد الخيارات الأكثر واقعية لتخفيف الضغط عن المنظومة الكهربائية، وسط تقديرات تشير إلى حاجة البلاد إلى ما بين 20 و25 مليون لوح شمسي لإضافة نحو 12 ألف ميغاواط إلى الشبكة.

هذا التوجه لا يأتي فقط من باب تنويع مصادر الطاقة، بل من الحاجة الملحة إلى حلول طويلة الأمد تعالج أزمة الكهرباء التي باتت تؤثر على مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية، في بلد يمتلك احتياطيات نفطية وغازية كبيرة لكنه ما يزال يواجه اختناقات مستمرة في التوليد والنقل والتوزيع.

فجوة كهربائية كبيرة في العراق

تكشف الأرقام المتداولة عن حجم التحدي الذي يواجهه العراق في قطاع الكهرباء.
فبحسب مختصين، تجاوز الطلب على الطاقة في أوقات الذروة 50 ألف ميغاواط، فيما لا يزال الإنتاج الفعلي دون مستوى 25 ألف ميغاواط، وهو ما يعني وجود فجوة كهربائية تتجاوز 50% من الحاجة الفعلية.

ولا يرتبط هذا العجز فقط بضعف الإنتاج، بل أيضاً بمشكلات متراكمة في شبكات النقل والتوزيع، إلى جانب نقص الوقود، وارتفاع الطلب بفعل النمو السكاني والتوسع العمراني وزيادة الاعتماد على الأجهزة الكهربائية خلال فترات الحر.

ويرى خبراء أن استمرار الاعتماد على الحلول المؤقتة لن يكون كافياً لمعالجة الأزمة، وأن العراق بحاجة إلى خطة تمتد بين 5 و10 سنوات لإعادة بناء منظومته الكهربائية على أسس أكثر استقراراً، مع إدخال مصادر طاقة جديدة وفي مقدمتها الطاقة المتجددة.

الطاقة الشمسية..
خيار استراتيجي للعراق

يرى عضو لجنة النفط والغاز النيابية، عدي ماجد الزاملي، أن مشاريع الطاقة النظيفة في العراق تمثل خياراً استراتيجياً، في ظل ما يتمتع به البلد من ظروف مناخية ملائمة ووفرة في الإشعاع الشمسي على مدار العام.

ويشير الزاملي إلى أن العراق يمتلك ميزة طبيعية مهمة تتمثل في عدد كبير من الأيام المشمسة، إضافة إلى زاوية تعامد الشمس مع الأرض، خصوصاً في مناطق الوسط والجنوب، ما يمنح مشاريع الطاقة الشمسية فرصاً كبيرة للنجاح والإنتاج بكفاءة عالية.

وتكتسب الطاقة الشمسية أهمية إضافية لكونها أقل كلفة على المدى الطويل مقارنة بالمحطات التقليدية التي تحتاج إلى كميات كبيرة من الوقود وتنتج انبعاثات ملوثة، في وقت يعتمد فيه العراق بدرجة كبيرة على محطات غازية مرتبطة أحياناً بالغاز المستورد، بدلاً من استثمار كامل للغاز المنتج محلياً.

25 مليون لوح شمسي لتقليص العجز الكهربائي

بحسب تقديرات متخصصين في هندسة الكهرباء، فإن العراق يحتاج إلى ما بين 20 و25 مليون لوح شمسي لإضافة ما يقارب 12 غيغاواط من الكهرباء إلى الشبكة الوطنية.
وتمثل هذه الإضافة، في حال تنفيذها، خطوة مهمة نحو تقليص العجز الكهربائي، خصوصاً خلال أشهر الصيف التي يرتفع فيها الطلب إلى مستويات قياسية.

ويقول مختصون إن هذه القدرة الإضافية لن تنهي الأزمة بالكامل، لكنها قد تخفف جزءاً كبيراً من الضغط على الشبكة، وتمنح وزارة الكهرباء مساحة أوسع لإدارة الأحمال، وتقلل الاعتماد على الوقود التقليدي في تشغيل المحطات.

كما أن توزيع منظومات شمسية على المنازل والمؤسسات يمكن أن يخفف الأحمال في أوقات الذروة، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع برامج تمويل أو قروض ميسرة تسمح للأسر بتركيب الألواح على أسطح المنازل وربطها بأنظمة تخزين مناسبة.

كلفة أقل وسرعة أكبر في التنفيذ

من أبرز النقاط التي تدعم التوسع في الطاقة الشمسية، أن إنشاء محطات شمسية كبرى يمكن أن يتم خلال فترة أقصر مقارنة ببعض مشاريع التوليد التقليدي.
ووفق تقديرات خبراء، فإن إنشاء محطة شمسية بقدرة ألف ميغاواط قد يتطلب استثمارات تتراوح بين 700 و800 مليون دولار، وهي كلفة تعد قابلة للمقارنة مع حجم الإنفاق السنوي المخصص لقطاع الكهرباء في العراق.

ويرى مختصون أن العراق قادر، إذا توفرت الإرادة السياسية والتمويل، على تنفيذ محطتين شمسيتين سنوياً بقدرة ألف ميغاواط لكل مشروع، ما يعني إمكانية تحقيق تقدم ملموس في تقليص العجز خلال سنوات قليلة، بدلاً من انتظار حلول طويلة ومعقدة ترتبط بالوقود أو شبكات الاستيراد.

جنوب العراق والأنبار..
المناطق الأكثر ملاءمة

تشير التقديرات الفنية إلى أن محافظات الجنوب العراقي، وفي مقدمتها البصرة وميسان، تعد من أكثر المناطق ملاءمة لإقامة مشاريع الطاقة الشمسية، بسبب ارتفاع معدلات الإشعاع الشمسي وتوفر مساحات واسعة غير مستغلة.
كما تبرز محافظة الأنبار كواحدة من المناطق المناسبة أيضاً، سواء من حيث الأراضي المفتوحة أو توافر بعض المواد الأولية اللازمة للصناعات المرتبطة بالطاقة الشمسية.

ويطرح بعض المختصين فكرة إنشاء مصنع محلي لإنتاج الألواح الشمسية، بالاستفادة من وجود مادة السيليكا في العراق، وهو ما قد يفتح الباب أمام صناعة محلية تخفف كلف الاستيراد وتوفر فرص عمل جديدة، بالتوازي مع استيراد البطاريات وتقنيات التخزين من شركات عالمية موثوقة.

التحدي الأكبر: التخزين وشبكات التوزيع

رغم أهمية الطاقة الشمسية، فإن نجاحها لا يعتمد فقط على تركيب الألواح أو إنشاء المحطات، بل يحتاج أيضاً إلى بنية تحتية حديثة تشمل شبكات النقل والتوزيع وأنظمة التخزين.

فإنتاج الطاقة الشمسية يرتبط بساعات النهار، ما يجعل الاستثمار في البطاريات وأنظمة التخزين أمراً أساسياً لضمان استمرار الإمداد خلال الليل أو في أوقات انخفاض الإشعاع.
كما أن شبكات النقل الحالية تحتاج إلى تطوير واسع لاستيعاب القدرات الجديدة وتقليل الهدر والانقطاعات.

ويحذر خبراء من أن أي توسع في مشاريع الطاقة المتجددة من دون تحديث الشبكة الوطنية قد يقلل من الفائدة المرجوة، لذلك فإن المعالجة الحقيقية للأزمة تتطلب مساراً متكاملاً يشمل التوليد والتخزين والنقل والتوزيع في آن واحد.

مشاريع قائمة يمكن البناء عليها

يمتلك العراق بالفعل بعض التجارب التي يمكن توسيعها في مجال الطاقة الشمسية، من بينها مشاريع في النجف ومشروع شمس البصرة بقدرة تصل إلى ألف ميغاواط.
ويرى مختصون أن نجاح هذه المشاريع يمكن أن يشكل قاعدة للانتقال إلى مرحلة أوسع تشمل محافظات أخرى، خاصة إذا اقترنت بخطط واضحة لربط الطاقة الشمسية بالقطاعين الزراعي والصناعي، إلى جانب استخدامها في المؤسسات الحكومية.

كما أن اعتماد الدوائر الرسمية على أنظمة شمسية خاصة بها قد يخفف جزءاً من الضغط على الشبكة العامة، خصوصاً أن ساعات الدوام تتزامن غالباً مع ذروة إنتاج الطاقة الشمسية.

هل تكفي الطاقة الشمسية وحدها؟

رغم التفاؤل بإمكانات الطاقة المتجددة، فإن غالبية المختصين يرون أن الطاقة الشمسية ليست الحل الوحيد، بل جزء من حزمة حلول يحتاجها العراق لإصلاح قطاع الكهرباء.
وتشمل هذه الحزمة تحسين استثمار الغاز المحلي، وتطوير المحطات الحالية، وتقليل الهدر في الشبكات، ومكافحة التجاوزات، إلى جانب التوسع في مصادر بديلة أخرى.

لكن ما يجعل الطاقة الشمسية خياراً جذاباً هو أنها تمثل حلاً عملياً وسريعاً نسبياً مقارنة ببعض البدائل، فضلاً عن انسجامها مع التوجهات العالمية نحو تقليل الانبعاثات وخفض الاعتماد على الوقود التقليدي.

العراق أمام فرصة لإعادة بناء قطاع الكهرباء

تبدو أزمة الكهرباء في العراق واحدة من أكثر الملفات إلحاحاً في السنوات المقبلة، ليس فقط لأنها تمس الحياة اليومية للمواطنين، بل لأنها ترتبط مباشرة بمستقبل الاستثمار والصناعة والزراعة والخدمات.
وفي ظل اتساع الفجوة بين الإنتاج والطلب، تبرز الطاقة الشمسية كخيار يمكن أن يسهم بفاعلية في تقليص جزء مهم من العجز، إذا ما جرى التعامل معها ضمن خطة وطنية طويلة الأمد لا تقتصر على شراء الألواح أو إطلاق المشاريع، بل تشمل إعادة بناء المنظومة الكهربائية بالكامل.

وإذا نجح العراق في تحويل وفرة الشمس إلى مصدر طاقة مستدام، فقد يتمكن خلال السنوات المقبلة من تخفيف واحدة من أعمق أزماته الخدمية، ووضع أساس جديد لمنظومة كهرباء أكثر استقراراً وأقل اعتماداً على الوقود التقليدي.

مشاركة المقال:

التعليقات0

أضف تعليقاً

* لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

هل تنقذ الطاقة الشمسية كهرباء العراق؟ 25 مليون لوح مطلوبة لسد جزء من العجز المزمن