أقرّت الحكومة العراقية، الاثنين، حزمة واسعة من القرارات والإجراءات الخدمية والاستثمارية خلال اجتماع الهيئة العليا للتنسيق بين المحافظات برئاسة رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، في خطوة تستهدف تعزيز أداء الحكومات المحلية، وتحريك ملفات السكن والمياه والصحة والإيرادات المحلية، إلى جانب معالجة عدد من المشاريع المتلكئة في المحافظات.
وبحسب بيان صادر عن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء، شدد الزيدي خلال الاجتماع على أن الحكومات المحلية تمثل خط التماس الأول مع المواطنين، بحكم مسؤوليتها المباشرة عن إدارة الملفات الخدمية ومتابعة احتياجات السكان، مؤكداً أن المواطن ينتظر تحسين مستوى الخدمات بعيداً عن الخلافات السياسية أو التعقيدات الإدارية التي تؤخر الإنجاز.
الزيدي: الحكومات المحلية شريك أساسي في التنمية
أكد رئيس الوزراء العراقي أن العلاقة بين الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية يجب أن تُدار بوصفها “جسداً واحداً” داخل الدولة، مشيراً إلى أن كل محافظة مطالبة بوضع آليات واضحة لدفع عجلة التنمية المحلية، خاصة عبر جذب الاستثمارات وتهيئة البيئة المناسبة للمشاريع، مع الابتعاد عن البيروقراطية التي تعطل تنفيذ الأعمال وتؤخر الاستجابة لاحتياجات السكان.
كما شدد الزيدي على ضرورة دعم الأجهزة الأمنية بما يساعدها على أداء مهامها في ترسيخ الاستقرار، باعتبار أن الأمن يمثل قاعدة أساسية لأي تحسن خدمي أو اقتصادي داخل المحافظات.
تقدم في مشروع مليون قطعة أرض سكنية
واحدة من أبرز الملفات التي ناقشها الاجتماع تمثلت في مشروع توزيع مليون قطعة أرض سكنية، إذ أشار رئيس الوزراء إلى تحقيق تقدم ملموس في هذا المشروع، موضحاً أن معيار توزيع الأراضي بين المحافظات سيعتمد على عدد السكان ونسب الفقر، بما يحقق العدالة ويوسع دائرة المستفيدين.
وفي السياق نفسه، أقرت الهيئة تخصيص قطع أراضٍ سكنية للمشمولين بقانون مؤسسة السجناء السياسيين، وفق الأولويات القانونية والتعليمات النافذة، ضمن إطار المعالجات الحكومية لأزمة السكن المتفاقمة في البلاد.
لجان لتعظيم الإيرادات المحلية في المحافظات
وفي ملف الإدارة المالية، شهد الاجتماع إقرار تشكيل لجان في المحافظات برئاسة معاون المنسق العام لشؤون المحافظات، تتولى إعداد استراتيجية لتعظيم الإيرادات المحلية، على أن تُرفع التوصيات لاحقاً إلى الهيئة العليا للتنسيق بين المحافظات من أجل إقرارها واعتمادها.
ويعكس هذا التوجه رغبة الحكومة في منح المحافظات مساحة أوسع لتحسين مواردها الذاتية وتقليل الاعتماد على التمويل المركزي، بما يساعدها على تمويل مشاريعها الخدمية والتنموية بصورة أكثر فاعلية.
قرارات لمعالجة ملف مياه الشرب وتوفير الكلور
وفي قطاع المياه، أقر الاجتماع جملة إجراءات مرتبطة بتأمين مادة الكلور اللازمة لتشغيل مشاريع الماء في المحافظات، حيث تقرر أن تتولى المحافظات وأمانة بغداد استيراد المادة لتغطية الحاجة الفعلية، إلى حين اكتمال مشاريع توسعة معمل الفرات.
كما كُلّفت وزارة الصناعة والمعادن باستكمال زيادة الطاقة الإنتاجية لمعاملها ضمن جدول زمني محدد، بما يضمن استقرار تجهيز مشاريع المياه بالمستلزمات الضرورية، خاصة في فصل الصيف الذي يشهد ارتفاعاً في الطلب على المياه وتزايد الضغط على الشبكات.
وبالتوازي مع ذلك، صادق الاجتماع على التقرير الفصلي الثالث الخاص بمياه الشرب في المحافظات، إلى جانب التوصيات المرفقة به، في مؤشر على استمرار متابعة هذا الملف بوصفه من أولويات العمل الحكومي.
خطوات جديدة لدعم القطاع الصحي في المحافظات
وفي الجانب الصحي، وافقت الهيئة على مقترحات وزارة الصحة الخاصة بتشكيل فريق طبي للتدخل السريع يضم اختصاصات متعددة، على أن يعمل في المحافظات خلال الأزمات والزيارات المليونية، مع إلزام المحافظات المجاورة بتقديم الإسناد والدعم اللوجستي عند الحاجة، وتسهيل عمل مفارز العمليات والإخلاء الطبي.
كما أقر الاجتماع تدريب الخريجين الجدد من المجموعة الطبية لكليات طب المستنصرية والنهرين وابن سينا داخل محافظاتهم، كل حسب محل سكنه، من دون الحاجة إلى العودة لمحافظة بغداد، وهو إجراء من شأنه تخفيف الضغط الإداري وتحسين توزيع الكوادر الطبية على المحافظات.
صلاحيات جديدة للمحافظين وتعديل حصص الإيرادات
ضمن القرارات الأخرى، منح الاجتماع المحافظين صلاحية طلب رفع يد الإصلاح الزراعي وفق الضوابط والسياقات القانونية المعتمدة، في خطوة قد تسهم في تسريع بعض المعاملات المرتبطة بالأراضي والاستثمار الزراعي.
كذلك، أقر المجتمعون توصيات اللجنة المختصة بنسبة المحافظات من إيرادات المحطات الوزنية، مع تكليف وزارة الإعمار والإسكان بتعديل تعليمات تشغيل محطات الوزن المحورية، بما يحدد حصة المحافظة من الإيرادات المستحصلة بنسبة 50%، انسجاماً مع قانون الإدارة المالية رقم 6 لسنة 2019 المعدل.
متابعة الأعمال البلدية ومعالجة المشاريع الاستثمارية المتلكئة
وفي ملف الخدمات البلدية، صوّت المجتمعون على أن تتولى وزارة الإعمار والإسكان تشكيل فرق تضم ممثلين عن الهيئة التنسيقية بين المحافظات، للاطلاع ميدانياً على مستوى الخدمات المقدمة، ورصد المشكلات والمعوقات التي تواجه العمل البلدي، ورفع تقارير تتضمن توصيات عملية لتحسين الأداء.
أما في ملف الاستثمار، فقد أقر الاجتماع توصيات اللجنة الخاصة بعدد من الإجازات الاستثمارية المتلكئة، وفي مقدمتها مشروعا “بوابة كربلاء التجاري والترفيهي” و”مجمع أبراج إيوان السكني”، في محاولة لدفع هذه المشاريع نحو التنفيذ بعد فترات من التأخير.
كما تقرر تشكيل لجنة للتحقيق في أسباب عدم توقيع العقود وتسليم الأراضي لعدد من المشاريع الزراعية والاستثمارية، من بينها مشاريع “رياض الفراتين للاستثمارات الزراعية”، و”زراعة البذور الستراتيجية وحقول الدواجن”، و”محطة أبقار وتربية عجول وزراعة المحاصيل الاستراتيجية”.
توجه حكومي لتوسيع دور المحافظات في إدارة الخدمات
تعكس القرارات الصادرة عن اجتماع الهيئة العليا للتنسيق بين المحافظات توجهاً حكومياً لمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة الملفات الخدمية والاقتصادية، سواء عبر توسيع صلاحياتها، أو تمكينها من تنمية إيراداتها المحلية، أو إشراكها بشكل أكبر في ملفات الصحة والمياه والإسكان والاستثمار.
وفي حال ترجمة هذه القرارات إلى إجراءات تنفيذية فعلية، فإنها قد تمثل دفعة جديدة لعمل الحكومات المحلية في العراق، خاصة في المحافظات التي تواجه تحديات خدمية متراكمة وضغوطاً متزايدة في ملفات السكن والبنى التحتية والمياه والرعاية الصحية.

