تتجه الأنظار إلى العاصمة بغداد في ظل تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي، وسط قراءة دولية تعتبر المرحلة الحالية واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ العراق الحديث، مع استمرار التجاذب بين النفوذ الأميركي والإيراني داخل مفاصل الدولة ومؤسساتها.
وبحسب تقرير صادر عن مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) في واشنطن وموقع “يورو آسيا”، فإن العراق يحاول إدارة توازن دقيق بين مطالب الولايات المتحدة التي تضع “خطوطًا حمراء” تجاه مشاركة الفصائل المسلحة في الحكومة، وبين الضغوط الإيرانية الساعية إلى تعزيز حضور حلفائها داخل مؤسسات الدولة العراقية.
حكومة غير مكتملة وصراع النفوذ
يشير التقرير إلى أن حكومة علي الزيدي لم تكتمل بعد، حيث تضم حتى الآن 14 وزيرًا فقط، مع ترقب تقديم مرشحين للحقائب المتبقية بعد عطلة عيد الأضحى.
هذا الوضع الانتقالي، بحسب محللين، يعكس رغبة سياسية في تأجيل الحسم بشأن أكثر الملفات حساسية، وعلى رأسها تمثيل القوى المرتبطة بالفصائل المسلحة.
وتعتبر واشنطن أن دخول شخصيات مرتبطة بفصائل مدعومة من إيران إلى المناصب الوزارية يمثل “خطًا أحمر”، بينما ترى طهران وحلفاؤها أن المشاركة السياسية لهذه القوى أمر طبيعي ضمن التوازنات الداخلية في العراق، ما يكرّس حالة من التوتر السياسي المستمر.
واشنطن: لا نفوذ للفصائل داخل الحكومة
وفق التقرير، فقد أبلغت الإدارة الأميركية بغداد بوضوح ضرورة عدم إشراك شخصيات من الأجنحة السياسية للفصائل المصنفة على قوائم الإرهاب الأميركية في الحكومة الجديدة، مع تركيز خاص على وزارات استراتيجية مثل النفط والاتصالات والزراعة.
كما أشار التقرير إلى أن بعض التعيينات أثارت جدلًا، من بينها ارتباطات غير مباشرة لمسؤولين في قطاع الاتصالات أو النفط، وهو ما يزيد من حساسية الموقف الأميركي تجاه تشكيل الحكومة.
النفط..
نقطة الارتكاز الحساسة
يرى مراقبون أن قطاع النفط يشكل محور الصراع الأهم بين الأطراف الدولية داخل العراق، في ظل اتهامات سابقة لبعض المسؤولين بالارتباط بشبكات نفوذ إقليمية.
ويشير التقرير إلى أن واشنطن تنظر بقلق إلى أي محاولات لاستغلال القطاع النفطي العراقي ضمن حسابات سياسية أو إقليمية، خصوصًا في ظل اعتماد العراق الكبير على تصدير النفط، وارتباط عائداته بالنظام المالي الأميركي عبر الاحتياطي الفيدرالي.
استراتيجية “التسوية السياسية”
يعتقد محللون أن اختيار علي الزيدي لرئاسة الحكومة جاء ضمن إطار “تسوية سياسية” تهدف إلى تخفيف التوتر بين واشنطن وطهران، دون الذهاب إلى صدام مباشر مع أي طرف.
وبحسب التقرير، فإن استمرار وجود وزارات شاغرة داخل الحكومة يعكس رغبة في إبقاء الباب مفتوحًا أمام التفاوض، بدل الدخول في مواجهة سياسية مبكرة قد تهدد استقرار الحكومة.
تحديات احتكار السلاح
في سياق متصل، تعهد رئيس الوزراء الجديد بوضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة، وهي خطوة ينظر إليها كاختبار حقيقي لقدرة الحكومة على فرض سيادة القانون.
لكن محللين يرون أن تنفيذ هذا التعهد يواجه تحديات معقدة، في ظل وجود فصائل مسلحة قوية، وضغوط إقليمية متشابكة تجعل ملف السلاح أحد أكثر الملفات حساسية في العراق.
العراق على مفترق طرق
في المحصلة، يرى خبراء أن العراق يقف أمام مرحلة دقيقة من تاريخه السياسي، حيث يحاول الحفاظ على علاقاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، دون خسارة التوازن مع إيران التي تمتلك نفوذًا واسعًا داخل المشهد السياسي والأمني.
وبين ضغوط الخارج وتعقيدات الداخل، يبقى مستقبل حكومة الزيدي مرهونًا بقدرتها على إدارة هذا التوازن الصعب، وتفادي الانزلاق نحو صدامات قد تعيد رسم الخريطة السياسية في البلاد من جديد.

